الشيخ اسماعيل حقي البروسوي
492
تفسير روح البيان
واحتج أهل القول الأول بوجوه الأول العمومات كقوله تعالى وأزلفت الجنة للمتقين وقوله عليه السلام من شهد ان لا اله الا اللّه خالصا دخل الجنة فكما انهم يخاطبون بعمومات الوعيد بالإجماع فكذلك يخاطبون بعمومات الوعد بالطريق الأولى ومن أظهر حجة في ذلك قوله تعالى ولمن خاف مقام ربه جنتان فبأي إلى آخر السورة والخطاب للجن والانس فامتن عليهم بجزاء الجنة ووصفها لهم وشوقهم إليها فدل ذلك على أنهم ينالون ما امتن عليهم به إذا آمنوا وقد جاء في حديث ان رسول اللّه عليه السلام قال لأصحابه لما تلا عليهم هذه السورة الجن كانوا أحسن ردا منكم ما تلوت عليهم من آية الا قالوا ولا بشئ من آلائك ربنا نكذب والثاني ما استدل به ابن حزم من قوله تعالى ان الذين آمنوا وعملوا الصالحات أولئك هم خير البرية جزاؤهم إلى آخر السورة قال وهذه صفة تعم الجن والانس عموما لا يجوز البتة ان يخص منها أحد النوعين ومن المحال ان يكون اللّه يخبرنا بخبر عام وهو لا يريد الا بعض ما أخبرنا به ثم لايبين لنا ذلك هذا هو ضد البيان الذي ضمنه اللّه لنا فكيف وقد نص على أنهم من جملة المؤمنين الذين يدخلون الجنة والثالث ما سبق من خبر الطمث والرابع ما قال ابن عباس رضى اللّه عنهما الخلق أربعة فخلق في الجنة كلهم وخلق في النار كلهم وخلقان في الجنة والنار فاما الذين في الجنة كلهم فالملائكة واما الذين في النار كلهم فالشياطين واما الذين في الجنة والنار فالانس والجن لهم الثواب وعليهم العقاب والخامس ان العقل يقوى ذلك وان لم يوجبه وذلك ان اللّه سبحانه قد أوعد من كفر منهم وعصى بالنار فكيف لا يدخل من أطاع منهم الجنة وهو سبحانه الحكم العدل فان قيل قد أوعد اللّه من قال من الملائكة انى اله من دونه بالنار ومع هذا ليسوا في الجنة في الجواب ان المراد بذلك إبليس دعا إلى عبادة نفسه فنزلت الآية فيه وهي ومن يقل منهم انى اله من دونه فذلك نجزيه جهنم وأيضا ان ذلك وان سلمنا إرادة العموم منه فهذا لا يقع من الملائكة بل هو شرط والشرط لا يلزم وقوعه وهو نظير قوله لئن أشركت ليحبطن عملك والجن يوجد منهم الكافر فيدخل النار واحتج أهل القول الثاني بقوله تعالى يغفر لكم إلخ حيث لم يذكر دخول الجنة فدل على أنهم لا يدخلونها والجواب انه لا يلزم من سكوتهم أو عدم علمهم بدخول الجنة نفيه وأيضا ان اللّه اخبر أنهم ولوا إلى قومهم منذرين فالمقام مقام الانذار لا مقام بشارة وأيضا ان هذه العبارة لا تقتضى نفى دخول الجنة لان الرسل المتقدمين كانوا ينذرون قومهم بالعذاب ولا يذكرون دخول الجنة لان التخويف بالعذاب أشد تأثيرا من الوعد بالجنة كما اخبر عن نوح في قوله انى أخاف عليكم عذاب يوم أليم وعن هود عذاب يوم عظيم وعن شعيب عذاب يوم محيط وكذلك غيرهم وأيضا ان ذلك يستلزم دخول الجنة لان من غفر ذنوبه وأجير من العذاب وهو مكلف بشرائع الرسل فإنه يدخل الجنة وقد سبق دليل القول الثالث والرابع والعلم عند اللّه الملك المتعال واليه المرجع والمآل أَ وَلَمْ يَرَوْا الهمزة للانكار والواو للعطف على مقدر يستدعيه المقام والرؤية قلبية اى ألم يتفكروا ولم يعلموا علما جازما في حكم المشاهدة والعيان أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ ابتداء من غير مثال وَلَمْ يَعْيَ بِخَلْقِهِنَّ اى لم يتعب ولم ينصب بذلك أصلا أو لم يعجز عنه يقال عييت بالأمر